تيسير تدريس البلاغة وصعوباته

مقدّمة: أهمية تدريس البلاغة العربية

للبلاغة أهمية كبيرة يكتسبها الطلبة بعد تدريسهم لها،[1] وهى بذلك تحقق الأهمية التالية: تعلم البلاغة صناعة الأدب والأداء الرفيع، وتسهم فى تكوين الذوق الأدبى وتنميته. كما أنها تبصر بالصفات التى تكسب النص الأدبى رفعة وسموا إذ تشكل الجانب الموضوعى فى عملية النقد.[2] أن من أهمية تدريس البلاغة أنها تمكن الطلاب من التعرف أسرار الإعجاز البلاغى فى الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة مما تساهم فى تقوية الجانب الإيمانى لديهم وصقل قدراتهم اللغوية والبلاغية.

ويرى “الحشاش” أنها تمكن الطلاب من القدرة علىالنقد الأدبى للأعمال الفنية الشعرية وتقويمها وتحديد مستوى جودتها، وتساهم فى تنمية الخيال الأدبى من خلال إلمامهم بالصور والأخيلة الى تتضمنها الأساليب البلاغية الواردة فى أعمال الأدباء من قصائد وقصص وروايات وغيرها.تكسب الطلبة القدرة على محاكاة الأساليب البلاغية وإنشاء الكلام البليغ .[3]

ويرى” الجوينى “أنها تساهم فى تنمية الميول القرائية وإثارة دافعية الطلبة، لتعلم لغتهم العربية وتذوقها والاعتزاز بها. تساهم فى كشف المواهب الأدبية وتطويرها لدى الطلبة. وكذلك تربط الطلبة بتراث أمتهم الأدبى، وكما تطلعهم على أهم الاتجاهات العالمية والمذاهب العربية المعاصرة والعلمية قديمها وحديثها فى شتى فنون الأدب.[4]

ويتضح من ذلك أن للبلاغة أهمية كبيرة فى تنمية الجانب الوجدانى والقدرة على التعبير عنه من خلال الأفكار والمعانى. تمكن الطلاب من تمييز الأعمال الأدبية الجيدة من الأعمال الرديئة والحكم عليها من خلال إدراك ما فيها من جمال والمفاضلة بينها. تبين البلاغة ما فى القرآن الكريم من إعجاز بلاغى خلال الآيات الكريمة ومن الأحاديث الشريفة المختلفة. كذلك تساهم البلاغة فى الكشف عن المواهب الأدبية لدى الطلاب.

 

أهداف تدريس البلاغة

إن تدريس البلاغة يحقق كثيرا من الأهداف منها ما يلى:

تمكن الطلبة من استخدام اللغة فى نقل أفكارهم إلى غيرهم. تنمى قدرة الطلبة على فهم الأفكار التى اشتملت عليها الآثار الأدبية الخالدة وتذوق ما فيها من جمال. زيادة استمتاعهم بألوان الأدب المختلفة من قصة أو أقصوصة أو تمثيلية أو مقالة أو ترجمة عن طريق فهم كل لون من هذه الألوان.

تنمية ميلهم إلى القراءة الحرة كوسيلة من أجمل وأمتع وسائل قضاء وقت الفراغ[5]. ويرى “أحمد” أن من أهداف تدريس البلاغة، أنها تسهم فى تربية ذوقهم الأدبى إذا درست مرتبطة بالأدب نفسه ولم تأخذ شكل القوالب والقواعد المصبوبة.

ترقى حسهم ووجدانهم بالوقوف على ما فى الأساليب من روائع الكلام، كما أنها تمكنهم من تحصيل المتعة الفنية عند قراءتهم للآثار الأدبية البلاغية الرائعة، وتمكنهم أيضا من معرفة المستوى الفنى للانتاج الأدبى، والحكم على الأدباء والمفاصلة بينهم. [6] ومن أهداف تدريس البلاغة، فهم ما يدل عليه النص الأدبى من دروب المهارة الفنية وما يصوره فى نفسيته ولون عاطفته.[7] كما يرى كذلك البحث فى مقومات الجمال الفنى والكشف عن أسراره ومصادر تأثيره النفسية.[8]

وكذلك من أهداف تدريس البلاغة إدراك ما فى الأدب من معانٍ وأفكار سامية، وتذوق ما به من جمال وطرافة واقتدار الكاتب شاعرا أو ناثرا، على أن يصوغ انتاجه فى أساليب بليغة.  أما “سمك” فيرى من أهداف تدريس البلاغة تبصير الطلبة بأنواع الأساليب المختلفة، وكيف تؤدى الفكرة الواحدة طرق مختلفة فى وضوح الدلالة عن طريق الحقيقة والمجاز، وكيف يكون الكلام مطابقا لمقتضى الحال وكيف يعمد البلغاء إلى تزيين كلامهم بأنواع المحسنات البديعية اللفظية منها والمعنوية ليزداد بها روعة وجمالاً.[9]

ويتضح من ذلك أن من أهداف تدريس البلاغة العربية بأنها تنمى لدى الطلاب الحس المرهف والشعور بمواطن الجمال فى الأعمال الأدبية، والقدرة على محاكاة الأساليب البلاغية فى تعبيرهم الوظيفى. تنمية روح البحث والاطلاع فى المآثر الأدبية الأصيلة. تمكن الطلاب من تذوق روائع الأدب من شعرأو نثر والاستمتاع به والانتفاع منه.  تعريف الطلاب بألوان الأدب المختلفة و الاتجاهات والمدارس الأدبية قديمها وحديثها.

 

صعوبات تعلم البلاغة العربية

كثيرا ما نسمع شكوى الطلبة من البلاغة وتعلمها وأنها تحوى قواعد جافة وصعبة، وألفاظ أدبية من غير البيئة التى يعيشونها، الشكاوى التى تتكرر من المدرسين فى تدريس مساق البلاغة من حيث طريقة عرضهم للمادة البلاغية أو من حيث طريقة تدريسهم لها. لذا تلقِ الباحثة الضوء على هذه الصعوبات ومحاولة لتخفيفها واقتراح الحلول الممكنة فى البرنامج المقترح.

هناك صعوبات فى تعلم البلاغة العربية تعود أسبابها للمادة نفسها ومنها ما يعود إلى طريقة  التدريس والوسائل التعليمية، ومنها ما يعود إلى الطالب ومنها ما يعود إلى المعلم، وأخرى تعود إلى أساليب التقويم.

1- الصعوبات التى تعود إلى مادة البلاغة

أصبحت علوم البلاغة لها حصصها وللأدب حصصه المستقلة، وأن البلاغة شىء والأدب شىء آخر، وصارت البلاغة مادة مستقلة يمتحن بها التلاميذ.

ويرى “إبراهيم” أن من الصعوبات التى ترجع للمادة إهمال الربط بين الوحدات، أو بين عناصر كل وحدة أى أن الموضوعات التى تتحد غاياتها وتتقارب، مثل الجناس والازدواج والتورية مع بعضها فهى من الجمال المعنوى. وهناك الأمر والنهى والاستفهام من حيث أنهما طلب، والإنشاء والاستعارة من حيث كليهما استحضارا لشىء خيالى بجانب الحقيقة. [10] ويرى “القواسمى” أن هناك من الصعوبات كالاعتماد على أمثلة الكتاب والتقييد بشرحها وتحليلها، وغالبا ما تكون مكررة فى كثير من كتب البلاغة. وهذا ما لايقف عنده الطالب من اكتشاف صورة بارعة أو خيال رائع.[11]  ويرى “الحشاش” أن منهج الكتاب نفسه لايحقق أهدافه وذلك بسبب جفاف المحتوى، واعتماده على الحفظ والاستظهار، وكثرة المعلومات والحقائق التاريخية التى طغت على الأدب والنصوص.

افتقار محتوى منهج الأدب والنصوص إلى التناسق والتكامل من بين الموضوعات الأدبية المختلفة التى يتناولها، وبينه والفروع الأخرى للغة العربية. تركيزالمحتوى على الجانب النظرى وإغفاله الجانب التطبيقى، كذلك بعد المحتوى عن واقع التلاميذ وبيئتهم، وعدم مسايرته لمتطلبات العصر.

عدم اهتمام المحتوى بتنمية المواهب الأدبية لدى التلاميذ، كذلك عدم تلبية محتوى المادة لحاجات التلاميذ وخصائصهم النفسية ومتطلبات نموهم. وهناك أيضا من أسباب الصعوبة التى ترجع إلى مادة البلاغة قلة العلامات المخصصة لمادة البلاغة وقلة نصيبها من الأسئلة. غموض الأهداف وتداخلها وعدم تناولها للمستويات المختلفة المعرفية والوجدانية والمهارية، وعدم ارتباط الأهداف باستعدادات التلاميذ وقدراتهم وعدم تناسبها مع ميولهم. [12]

 2- الصعوبات التى تعود إلى طريقة التدريس والوسائل التعليمية

يرى “شحاتة” أن البلاغة تعتبر من العلوم الآلية كقواعد النحو والصرف، فهى حين تعرض على الطلبة ألوانا من التعبير يجب عرضها من حيث أنها وسائل تعمل على تكوين الذوق الأدبى، لا قواعد أو مباحث يختبر فيها العقل فهى طريقة غير صالحة فى تدريس من يعتمد على الذوق والإحساس. [13]

أن اتباع الطريقة الجدلية فى عرض دروس البلاغة، طريقة تمزق أوصال العبارات وتشوه جمالها، وتحول المناقشات إلى الاتجاه النظرى الفلسفى، وتجعل القواعد البلاغية ومصطلحاتها الفنية كأنها الغاية المقصودة لذاتها. وكذلك الإسراف فى استعمال المصطلحات والتقاسيم التى لا جدوى لها فى تكوين الذوق الأدبى.

الاعتماد على الأمثلة المصنوعة والجمل المقتضبة للتخفيف من معالجة النصوص والسرعة فى الوصول إلى تحديد الألوان البلاغية . أن بعض المدرسين يدرسون البلاغة بعيدا عن النص الأدبى، الذى هو عشها ومرتع جمالها. فيلجأون إلى أمثلة مبتورة مصطنعة مبتورة يعينون فيها الفنون البلاغية، ويملون على الطلاب تعريفات تحدد أركان كل مصطلح وتذكر أنواعه كالتشبيه مثلا أربعة أركان المشبه والمشبه به وأداة التشبيه ووجه الشبه. وبذلك تعرف البلاغة قواعد وأقسام وتعريفات لا تعرف طريقًا إلى التذوق الجمالى.

ويرى “النعمى” أن من الصعوبات التى ترجع لطريقة التدريس والوسائل التعليمية كعدم استخدام السبورة الاضافية، أو أى وسيلة من الوسائل التعليمية الأخرى كما يغلب على درس البلاغة والأدب بصفة عامة، الشرح والإلقاء من جانب المدرس، والتلقى من جانب الطلاب مما يجعل الطلبة ينفرون من هذه الطريقة التى تعتمد على الإلقاء وتفضيلهم طريقة الحوار أو المناقشة أو استخدام الوسائل المعينة على ذلك. [14]

من الصعوبات أيضاً إغفال الشرح للاتجاهات الأدبية السائدة والمدارس الفنية وخصائصها،وتنمية مهارات النقد والتذوق الأدبى، كذلك عدم وجود دليل للمعلم لإرشاد المعلمين على الطريقة المناسبة الصحيحة لتدريس النصوص والبلاغة واستخدام الوسائل التعليمية المناسبة لتدريس كل نص أدبى.

والصعوبات أيضاً عرض موضوعات المحتوى بطريقة جافة وصعوبة الأمثلة والنصوص المختارة كشواهد بلاغية.وعدم تنوع أساليب تدريس البلاغة واتباع أساليب قديمة فى تدريسها. كذلك عدم استخدام الوسائل التعليمية التى تيسر فهم المعلومات البلاغية. التركيز على إكساب التلاميذ المعلومات المعرفية وحفظ القواعد وإغفال الجوانب المهارية الأخرى ومهارات التذوق.

ويرى “العلى” أن من صعوبات تعلم البلاغة التى ترجع إلى الطريقة والوسائل التعليمية، أن المدرس يعرض النص الأدبى ودروس البلاغة، على صورة جداول ترسم على السبورة تمزق أوصال العبارات، وتشوه جمالها وجعلها تتجه الناحية الفلسفية. [15]

 3- الصعوبات التى تعود إلى أساليب التقويم

هناك صعوبات تعود أسبابها إلى أساليب التقويم بأنواعها المختلفة التكوينى أو الختامى، حيث يرى “طه” أن بعض الكتب البلاغية تشتمل على أسئلة تقيس القدرة على التذكر والفهم والتطبيق، إلا أنها خلت من الأسئلة التى تقيس القدرة على المهارات العليا كالتحليل والتركيب والتقويم.

كما يرى “الحشاش” أن معظم أساليب التقويم تركز على الحفظ والاستظهار وإهمالها قياس التذوق الأدبى. عدم الاهتمام بقياس الأهداف الإجرائية السلوكية للبلاغة. اعتماد نتائج التقويم فى نهاية العام وإغفاله التقويم التكوينى خلال العام، كذلك أساليب التقويم لا تحقق التوازن فى قياس المعارف والاتجاهات والمهارات العملية. أساليب التقويم لا تساهم فى تشخيص جوانب القوة والضعف لدى الطلبة ولا تخدم فى تطوير تعلم البلاغة. [16]

4- الصعوبات التى تعود إلى المعلم نفسه

استئثار المدرس بالكلام وفرض رأيه على الطلاب وحرمانهم إبداء شخصيتهم الفنية. أن بعض المدرسين يصدرون الأحكام الفنية على النص الأدبى فى جمل مجازية وعبارات غير محدودة وبهذا تمثل عند الطلاب صعوبة لديهم.

ويرى “الحشاش” أن من الصعوبات التى تتعلق بالمعلم مثل عدم معرفة المعلم بأهداف تدريس البلاغة، وعدم اهتمامه أن تكون طريقته فى التدريس شيقة وجذابة بقدر اهتمامه بأن تساعد تلك الطريقة فى إنجاز أكثر كم ممكن من المقرر الدراسى الذى يلاحقه دائما، وذلك حسب الجدول والزمن المحدد له. عدم تفرغ المعلم للاهتمام بالمواهب الأدبية، وتوفير الرعاية المطلوبة لهم وذلك لعدم توفر الإمكانات والظروف المتاحة له.

عدم وجود حوافز تشجيعية تشجع المعلم إلى بذل جهد إضافى خارج غرفة الصف مكتفيا بالأنشطة الصفية فقط. كذلك هناك من المعلمين لا يشركون تلاميذهم فى إعداد الوسيلة التعليمية، وعدم تكليفهم لنشاطات تسهم فى تنمية مهارات التذوق الأدبى لديهم. عدم ربط المعلم بين المعلومات النظرية مع الممارسات التطبيقية لها. ضعف الإعداد الأكاديمى لبعض المعلمين وعدم معرفتهم بمهارات التذوق الأدبى والبلاغى. كذلك عدم معرفة المعلم بأساليب التقويم المختلفة وطرق التدريس المتنوعة.[17]

والصعوبا  أيضا عدم وجود أدلة للمعلمين فى مساق البلاغة لارشادهم الطرق السليمة والأهداف وأساليب التقويم المناسبة لتدريس الطلاب مما يجعل بعض المعلمين يدرسونها على عاتقهم، وحسب اجتهاداتهم وخبراتهم.

 5- الصعوبات التى تعود إلى الطالب نفسه

إن هناك من الصعوبات التى يكون من أسبابها الطالب وذلك كما يراه مثل سلبية المتعلم وعدم مشاركته فى العملية التعليمية التعلمية. والعجز عن مساعدة الطلبة على تنمية قدراتهم واكتساب الميول الصحيحة، وكذلك لم تعن بالمشكلات التى تواجه الطلاب ولا تهتم بميولهم أو استعداداتهم وحاجاتهم. ويرى “مذكور” أن المقررات فى البلاغة خالية من خبرات الطلاب وواقعهم أثناء عرض الموضوعات. كذلك إهمال ميول الطلبة إلى القصص وإهمال المشكلات الفكرية التى تخصهم.

ويرى “الحشاش” نفور الطلاب من الأساليب والطرق التقليدية التى يتم بها عرض النص الأدبى. نفور الطلاب من الامتحانات التى تقيس المهارات الدنيا للتفكير وتفضيلهم للامتحانات التى تقيس مهارات عليا للتفكير. اهمال آراء الطلبة عند تصميم أو تطوير أى منهج بلاغى أو أدبى، وكذلك منهج البلاغة لا يتلاءم مع مرحلة الشباب وما تحتاجه من اكتشاف للمواهب وتمكنها للإبداع. عدم تجاوب الطلبة مع الأنشطة اللاصفية لعدم التشجيع عليها. وعدم تعاون الطلبة مع معلميهم فى تقويم أنفسهم، إضافة إلى إهمال أولياء الأمور وتقصيرهم فى متابعة تقويم أبنائهم، والتعاون مع المعلمين فى هذه المهمة.[18]

وأن هناك من صعوبات تعلم البلاغة التى تتعلق بالطالب وذلك عند دراستهم للبلاغة، يدرسون من كتب مختصرة تضر بهم ضرراً بليغاً فضلاً عن أنها توجههم إلى الحفظ والاستظهار بدلاً من التفكير فى النص وتذوقه، ومن ثم اعتماد الطلاب عليها بمثابة قطع الطريق على اتصالهم به وعلى محاولة فهمه فى ضوء خبراتهم. وأن المقررات البلاغية خالية من خبرات الطلاب وواقعهم أثناء عرض الموضوعات، وكذلك إهمال ميول الطلبة إلى القصص والمشكلات الفكرية التى تخصهم.

 

تيسير دراسة البلاغة

وأمّا مظاهر التيسير فقد تجلّت في عناصر مختلفة يتعلّق بعضها بالمنهج، وبعضها بالموضوعات، وبعضها بالمصطلحات، وبعضها الآخر بالشواهد والنصوص، وسنتحدّث بإيجاز عن هذه العناصر لاستجلاء جوانب منها قد تساعد في معرفة تطوّر التفكير البلاغي في كتب التراث.

1- التيسير في المنهج

كان المنهج الذي سار عليه عبد القاهر في درسه البلاغي متميّزًا في دفاعه القويّ عن نظريته في النظم، وفي تحليلاته الدقيقة للنصوص، وفي استدلالاته الموفّقة على المسائل، وغير ذلك من المحاسن التي أثارت إعجاب السابقين واللاحقين على حدٍ سواء، ولكنّ منهجه هذا على ما فيه من أصالة وإبداع شابه شيءٌ من الغموض والوعورة في عرض تلك المسائل، ولعلّ من أسباب ذلك افتقاده إلى التبويب والتنظيم والترتيب، وهي العناصر التي اتجه الدارسون إلى استكمالها بعد ذلك، وتقديمها إلى المتعلّمين في ثوبٍ جديد أكثر سهولةً ويُسرًا، وكانت تجربة الرازي في نهاية الإيجاز رائدة في هذا الاتجاه، فقد أعاد ترتيب مسائل البلاغة وبوّبها تبويبًا جديدًا، ولولا أنّ نزعته الكلامية قد أثّرت على أسلوبه وطريقته في العرض لكان لكتابه شأنٌ آخر عند دارسي البلاغة، ثمّ اتجه السكّاكي بعد ذلك إلى صياغة مصطلحات علم البلاغة، وترتيب مفرداتها في أبواب ثابتة بعد أن وزعها بين علمي المعاني والبيان، وذلك بعد أن لاحظ تلك النقائص المنهجية في كتب عبد القاهر، وقد وُفق السّكاكي في منهجه النظري هذا، غير أنه وقع في ما وقع فيه الرازي من صعوبات أسلوبية سببها نزوعه إلى طرائق علم الكلام في عرض القضايا وتحديد المصطلحات.

واستمرت جهود التيسير بعد السكّاكي عند طائفة من البلاغيين من أمثال القزويني، وابن الزملكاني، والعلوي، وابن الأثير، وابن قيم الجوزية، وغيرهم، وقد كان لكلّ دارسٍ منهجه الخاص في دراسة البلاغة قد لا يختلف كثيرًا من حيث المضمون عمّا قرّره عبد القاهر والسّكاكي، ولكنّه من حيث ترتيب المادة العلمية وطريقة تناولها مباينٌ لمناهج الآخرين، ولعلّه من المفيد الإشارة هنا إلى أنّ من أبرز الذين حاولوا التيسير في المنهج ابن الأثير ثمّ يحيى بن حمزة العلوي، فأمّا ابن الأثير فأراد دراسة البلاغة بمنهج الأدباء لا المتكلّمين، وأما العلوي فحاول الجمع بين المدرستين الكلامية والأدبية، مع السعي إلى إبداع منهج جديد في التبويب والترتيب يكون أكثر تبسيطًا ويسرًا للدارسين.

 2- التيسير في الموضوعات

وجد البلاغيون المتأخرون صعوبةً في بعض المسائل البلاغية التي عرض لها عبد القاهر والسكّاكي، ومكمن هذه الصعوبة دقّةُ تلك المسائل، وجفاف أسلوبها، وكثرة تقسيماتها، وتنوّع مصطلحاتها، وانعدام الدقّة في صياغتها، فضلاً عن اللغة الفضفاضة وكثرة المتعاطفات، وقد أشاروا إلى شيءٍ من هذا في مصنّفاتهم، وحاولوا التيسير في تلك المباحث، سواء بإعادة ترتيبها وفق أبواب محدّدة لا تجهدُ القارئ في بحثه كما فعل القزويني في كتابه “الإيضاح”، وكما فعل بدر الدين بن مالك في كتابه المصباح، وابن قيم الجوزية في كتابه “الفوائد المشوّق إلى علوم القرآن”، وسواء بتبسيط مادتها وشرح مسائلها العويصة كما فعل ابن الزملكاني في كتابه “التبيان في علم البيان المطّلع على إعجاز القرآن” وغيره، وسواء بالتجديد في الأمثلة والنصوص لإيضاح ما كان محتاجًا إلى توضيح من تلك الموضوعات والمصطلحات الدقيقة كما فعل ابن الأثير والعلوي.

 3- التيسير في المصطلحات

تطوّرت مصطلحات البلاغة على مدى الأجيال حتى استقرّت في كتاب مفتاح العلوم للسكّاكي، ثمّ في كتاب التلخيص للقزويني بعد أن أخذت دلالتها العلمية ومعناها الدقيق ، وقد اختلف البلاغيون كثيرًا بشأن تحديدها وبيان ماهيتها، الأمر الذي ترتّب عنه ذلك التوسّع والإكثار منها في العصور المتأخرة، ولرغبة العلماء في تحديد تلك المصطلحات تحديدًا علميًا دقيقًا بالإفادة من علم الكلام، فقد شاب بعضها غموض وتعقيد لاحظه العلماء في مصطلحات السّكاكي على وجه الخصوص، فكان الاهتمام بعد ذلك بإعادة النظر في تلك المصطلحات من أجل صياغتها من جديد صياغةً تحقّق للدارس فهمًا ميسورًا، وقد بذل القزويني جهودًا جليلة في هذا الشأن، ثمّ تبعه العلوي الذي أفاد كثيرًا من آراء ابن الأثير التي انصبت كلّها في مراجعة المصطلحات البلاغية وصياغتها بأسلوب أدبي تعليمي.

ولمعرفة تطوّر المصطلح البلاغي والاطلاع على جهود العلماء في تحديده وتيسيره اخترنا في هذا البحث مصطلح “البلاغة”، وأوردنا جملة من التعريفات لأشهر البلاغيين، وهي تمثّل البدايات الأولى للمصطلح، إلى أن تطوّر ونضج واستقر في كتب البلاغة كما هو مبيّن في الجدول الآتي:

مصطلح البلاغة أهل الاصطلاح
لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظَه، ولفظُه معناه فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبقَ من معناه إلى قلبك. الجاحظ (255)
توصيل المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ الرماني (386)
البلاغة كل ما تبلغُ به قلب السامع فتمكنه في نفسه كتمكّنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن. العسكري(395)
خصوصية في كيفية النظم وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها على بعض. عبدالقاهر الجرجاني (474)
بلوغ الرجل بعبارته كنهَ ما في قلبه مع الاحتراز المخلّ والإطالة المملّة. الرازي (606)
هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حدًّا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقّها وإيراد التشبيه والمجاز والكناية على وجهها. السكاكي (626)
وأما بلاغة الكلام فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته. القزويني (739)
البيان عبارة عن الوصول إلى المعاني البديعة بالألفاظ الحسنة. العلوي (749)

يلاحظ من خلال الجدول السابق أنّ تعريف البلاغة قبل عبد القاهر كان قائمًا على إبراز الغاية من البلاغة، وهي في توصيل الكلام إلى قلب المخاطب والتأثير فيه، وهو ما يسمى بالإبلاغية في العصر الحديث، وأمّا مفهوم البلاغة بعد عبد القاهر فقد اصطبغ بصبغة علمية ركزّت على خصائص هذا الكلام الذي يقنع ويؤثّر في الآخرين، وأصبح مفهوم البلاغة معنيًا بخواص التركيب، والمقام الذي يُؤدى فيه وهو ما يُعرف بمقتضى الحال، ولعلّ هذه النظرة العلمية التي بدأها عبد القاهر هي التي جعلت من البلاغة علمًا له قواعده وأصوله الواضحة، فالانتقال من البلاغة الذوقية إلى البلاغة النظرية، ومن الحديث عن الأهداف إلى الحديث عن الخصائص واضح أشدّ الوضوح في تطوّر مصطلح البلاغة بعد عبد القاهر، كما أنّ الاتجاه إلى التيسير كان منصبًا على الإيجاز في تعريف هذه المصطلحات واختصارها قدر الإمكان، مع مراعاة الدقّة في اختيار الألفاظ، فقد حرصوا على أن يكون المصطلح البلاغي جامعًا مانعًا، وأن يكون ضمن دائرة علم البلاغة لا يخرج عنه.

4- التيسير في الشواهد والنصوص

يمثّل الشاهد القرآني أحد أبرز الشواهد البلاغية وأكثرها حضورًا في كتب البلاغة الأصلية، ولم يكتف البلاغيون بالشاهد القرآني الذي عدوه في أعلى مستويات البلاغة، وإنما اختاروا من نصوص الأدب شعره ونثره ما يكون منسجمًا مع نظرياتهم ومسائلهم البلاغية المتعلّقة بالألفاظ والمعاني، والنظم والتراكيب، وقد لوحظ أنّ مثل هذه النصوص الأدبية التي نجدها في بلاغة عبد القاهر ومن سبقه من البلاغيين والنقاد قد قلّت وانحصرت في بلاغة المتأخرين بعد السكّاكي، وسبب ذلك غلبة المادة النظرية على المادة الأدبية، ومع ذلك كلّه فقد نبه بعض البلاغيين على أهمّية العناية بالشواهد والنصوص الأدبية في تيسير الدرس البلاغي، فكان السعي إلى الإكثار منها وتحليلها، وتنويعها وتجديدها، واشتهر منهم في هذا الاتجاه ابن الأثير الذي ذاع صيته بصنيعه في كتابه المثل السائر، ثمّ تبعه العلوي الذي كان له منهج خاص في انتقاء النصوص، والعناية بها شرحًا وتحليلاً وتذوقًا.

وأشار أحمد مطلوب إلى أنّ البلاغيين المتأخرين أدخلوا نصوصًا جديدة في كتبهم، ولذلك فقد كان نمو البلاغة العربية في القديم ملمحًا من ملامح حيويتها وقدرتها على استيعاب الجديد، فضلاً على أنها لم تتوقف عند عصر الاستشهاد في الأمثلة التي ذكرتها، وإنما تجاوزته وواكبت الأدب، وفي البديعيات نصوصٌ جديدة لم تذكرها كتب البلاغة الأولى، وهي نصوص تمثل العصر الذي أُلفت فيه، وقد استخرج البديعيون منها فنونًا جديدة وهي على الرغم مما قيل فيها صورة لأدب تلك العهود

 

جهود العلوي في تيسير البلاغة

ويستند تيسير البلاغة عند العلوي على ثلاثة عناصر هي: تنظيم المادة البلاغية، وتحديد المصطلحات البلاغية بأسلوب جديد، وإيراد الشواهد والأمثلة من النصوص المتنوّعة وتحليلها، وسنعرض لهذه العناصر بشيءٍ من الإيضاح لبيان أهمّيتها في جهود تيسير الدرس البلاغي في كتب التراث.

1- تنظيم المادة البلاغية

أراد العلوي أن يكون درسُه البلاغي متميّزًا بالتيسير والإيضاح، ولا يتيسّر ذلك إلاّ باتباع منهجٍ في التأليف قائمٍ على ترتيب وتبويب مناسبين لهذه الغاية، لكي يكون فيه عونٌ للطالب على سهولة الوصول إلى مطلوبه، وقد كان العلوي على علمٍ بقصور كثير من المؤلفات البلاغية في هذا الشأن، وخلوّها من الترتيب الجيّد للمسائل، والتبويب المتوازن للموضوعات، وكان يعلم أنّ من عناصر التجديد التي يمكن أن يضيفها، ويجعلها مَيزة في كتبه حسن توزيع المادة البيانية وترتيبها، وهي مَيزة مرتبطة بهدفه من التيسير، وقد أشار إلى ذلك في مقدّمة كتابه الطراز .

وأفاد العلوي من معرفته العميقة بعلم الكلام وعلم الأصول لوضع منهجٍ متميّز في الترتيب، ولولا أنّه أسرف في التقسيمات والتفريعات لكان منهجه هذا متسقًا تمامًا مع غايته في تيسير قواعد البلاغة، وكتابه الطراز من أهمّ الكتب التي تأثرت بعلم الكلام، لأنّ الكتب التي عاصرته لم تنتهج مثله في العرض والتحليل، والحصر والتقسيم، وإنّما اتجهت إلى تلخيص القزويني تشرحه أو تنظمه .

وقد رتّب العلوي مادته البلاغية في فنون ثلاثة:

الفنّ الأول: في المقدّمات التي يستعان بها على تحديد علم البلاغة وبيان مفهومه، وموضوعاته، ومنزلته بين العلوم الأدبية الأخرى، وتوضيح الفرق بين الفصاحة والبلاغة، ومعاني الحقيقة والمجاز، إلى غير ذلك من المقدّمات التي تمهّد السبيل إلى مقاصد العلم وأركانه.

والفنّ الثاني: في المقاصد، وهي المباحث المتعلّقة بعلوم البلاغة الثلاثة، علم المعاني، والبيان، والبديع، وشرح مصطلحاتها، وبيان أقسامها وخصائصها المميّزة لها عن غيرها.

والفنّ الثالث: في التتمّات، وهي المباحث المكمّلة لعلوم البلاغة، مثل فصاحة القرآن، وبلاغته وإعجازه، وبيان آراء العلماء في وجوه الإعجاز، والوجه المختار منها.

وقد يتّفق هذا الترتيب مع بعض المناهج الحديثة الداعية إلى تيسير البلاغة من حيث إلغاء التقسيم الثلاثي، وجعل البلاغة قسمًا واحدًا، وبحث موضوعاتها مستقلة، أو بحث مستوياتها الثلاثة: الصوتي، والتركيبي، والدلالي، وهي: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، بعد تجريدها مما علق بها من مباحث أبعدتها عن هدفها، وتذوّق الأدب الرفيع .

 2- تحديد المصطلحات البلاغية

يتميّز المنهج البلاغي عند العلوي بالاستقصاء، فلم يترك شاردةً ولا واردةً من مسائل البلاغة إلاّ عرضها عرضًا مفصّلاً دقيقًا، واستعان في ذلك بآراء العلماء السابقين والمعاصرين له، وعرض لكلّ مسألة من مسائل البلاغة التي قد يعتريها خلل أو قصور في المفهوم، فبيّن الأوهام التي وقع فيها غيره مدليًا برأيه، ومصحّحًا للمفاهيم البلاغية التي سادت قبله.

وقد اهتم العلوي اهتمامًا كبيرًا بالمصطلح البلاغي، وناقش بشأنه كبار العلماء السابقين من أمثال الجرجاني، والزمخشري، وابن الأثير، وغيرهم، وما من مصطلح إلاّ له فيه نظرات تقويمية، ولعلّ الذي ساعده في ذلك معرفته الواسعة بعلم الكلام، وتمكّنه البارع من الحجاج والمجادلة، ورغبته الأكيدة في تجديد الدرس البلاغي، وسعيه في أن تكون لكتاباته إضافات أخرى لم يتنبّه إليها البلاغيون ودارسو الإعجاز، قال محمد أبو موسى:”والحقّ أنّ العلوي قد شغل جزءًا كبيرًا من كتابه في مناقشة البلاغيين في تعاريف هذا العلم، وبيان ماهياته، وتحديد مسائله، وناقش البلاغيين وخطّأهم جميعًا فيما ذكروه من حدود، ولم يسلم واحدٌ منهم حتّى الجرجاني الذي أسّس هذا العلم – كما يقول العلوي – لم يكن تعريفه مبرأً من عيب، والملاحظ أنّ مناقشاته لهم، وبيانه وجه الفساد فيما ذكروه كانت مبنية على معرفة دقيقة، بما يجب أن يتوفّر في الحدود من الشروط والقيود” .

ولم يُخطِئ العلوي البلاغيين جميعًا في آرائهم، بل إنّه أثنى على الكثير من المسائل، ومدح أصحابها، ولم يكن يُخطئ إلاّ ما كان يراه خطأً، ويُقدّم الدليل على ذلك، وأما إلى أيّ مدى وُفّق في هذا الجانب فيمكن القول إنّ تعريفات العلوي ليست في مستوى واحد من حيث وضوحُ الدلالة على المقصود، على الرغم من دقّة العلوي في اختيار الألفاظ وفي تحديد المصطلح، ذلك أنّ أثر الثقافة الكلامية بدَا واضحًا في بعض التعريفات، مع أنّ التوفيق قد حالفه في كثير من المصطلحات في كتابه الطراز.

لقد حوت كتبُ العلوي مصطلحات بلاغية ونقدية كثيرة، “وكان منهجه عند ذكر أي مصطلح من المصطلحات أن يقوم أولاً بتعريفه في اللغة، ثمّ يحدّد مفهومه الاصطلاحي، ويأتي بعد ذلك بالشواهد الدالة على هذا المصطلح من القرآن الكريم، ومن كلام النبي – صلى الله عليه وسلّم – ومن كلام الإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – ثمّ من كلام فصحاء العرب، وكبار شعرائها، وهذه هي طبقات الكلام ودرجاته، فالقرآن هو المثل الأعلى للفصاحة والبلاغة، ويليه كلام النبي عليه السلام، فكلام الإمام علي، ثمّ كلام الأدباء والبلغاء، وهذا منهج انفرد به العلوي” .

إن العناية بتعريف المصطلحات البلاغية وتحديدها ومراجعتها مراجعةً دقيقةً، وبألفاظ واضحة الدلالة لهي من أهمّ الأهداف في تيسير الدرس البلاغي في القديم، كما أنّ تصفية البلاغة ممّا علق بها من مصطلحات، ومسائل بعيدة عن روحها، والسعي إلى توحيد هذه المصطلحات، والأخذ بأكثرها دلالة على الفنّ البلاغي، كلّ ذلك من الملامح الضرورية في تيسير المصطلح البلاغي وتطويره في العصر الحديث .

3- التنويع في الشواهد وتحليل النّصوص

لعلّ من السمات الواضحة في منهج العلوي البلاغي الاهتمام الكبير بالشواهد البلاغية، ويتّسع هذا الباب ليشمل نماذج متنوعة من الشواهد التي تأتي في سياق شرح المصطلحات البيانية، ومناقشتها وتوضيحها، وقد اختار العلوي منهجًا فريدًا قائمًا على اختيار الشاهد القرآني أولاً، ثمّ الشاهد من الحديث النبوي الشريف، ثمّ الشاهد من كلام الإمام علي بن أبي طالب، ثمّ الشواهد من كلام العرب شعرًا ونثرًا كما ذكر في السابق، والملاحظ أنّه جعل كلام الإمام علي – رضي الله عنه – في مرتبة ثالثة بعد القرآن الكريم والحديث الشريف، وذلك لمحبّته الشديدة لآل البيت الذين ينتسب إليهم، وهو ما عليه كذلك مذهب الزيدية الذي ينتمي إليه، ثمّ لإيمانه ويقينه ببراعته في الفصاحة والبيان .

وقد اقتضى منه هذا المنهج أولاً: تقديمَ شواهد النثر على شواهد الشعر، وثانيًا: ذكر نماذج أخرى من النصوص التي لم يذكرها غيره من البلاغيين في الاستشهاد وتوضيح المسائل، وقد كان العلوي مجدّدًا في هذا الجانب، حيث أضاف إلى درسه البلاغي ما رآه محقّقا للتيسير والوضوح، وفضلاً على ذلك لم يكتفِ بإيراد هذه الشواهد، بل قام بتحليلها تحليلاً أدبيًا، للكشف عن بلاغتها، وهو بعمله هذا يختلف عن كثير من البلاغيين المعاصرين له.

وهذا المنهج في حقيقته هو عودٌ إلى طريقة شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني، الذي ذاع صيته بمنهجه البارع في اختيار الشواهد وتحليلها، والسعي إلى استجلاء مواطن الجمال فيها.

ولعلّ الإكثار من الشواهد والأمثلة من النصوص الأدبية القديمة والمعاصرة له، ثمّ تناولها بالتحليل والشرح يدلّ على ذوق العلوي في حسن الاختيار أولاً، ثمّ في براعته في الشرح والتحليل ثانيًا، انظر كيف تمّ له اختيار شاهد من القرآن الكريم في باب الكناية، وهو قوله تعالى:”أيحبُّ أحدُكم أن يأكلَ لحمَ أخيهِ ميتًا فكرهتموه” (الحجرات:12)، وقد حلّلها مستخرجًا ما فيها من نكتٍ بلاغية، وأسرارٍ تركيبية، فمن ذلك قوله:”قوله تعالى “أيُحبّ أحدكم”، إنّما جعله محبوبًا لما جُبلت عليه النفوس، ومالت إليه الأهواء من الإسراع إلى الغيبة، والإصغاء إلى من يتحدّث بها، مع ما فيها من الحَظرِ، ووعيد الشرع، فلهذا صدّرها بالمحبة، مشيرًا إلى ما ذكرناه، ويؤيّد ما ذكرناه أنّه أتى فيها بلفظ المحبّة، ولم تجئ بلفظ الإرادة، دالاً بذلك على موقعها في النفوس، وتطلّع الخواطر إليها، ولفظ الإرادة يُعطي هذا المعنى، ولا يتمكّن في الأفئدة تمكّن المحبّة؛ فلهذا آثره” .

ولعلّ منهج العلوي هذا ينسجم تمامًا مع دعوته إلى تيسير البلاغة، فاختيار النصوص بعناية، وتذوّق البلاغة فيما استحدث من فنون أدبية تعبّر عن الحياة المعاصرة، ثمّ تحليل تلك النصوص تحليلاً أدبيًا بعيدًا عن التقعيد، قريبًا إلى الفطرة والطبع، لإدراك ما فيها من قيمٍ معنوية، وفوائدَ أسلوبية، كلّ ذلك من العناصر الأساسية في تيسير البلاغة عند العلوي.

 

طريقة تدريس البلاغة

لا توجد طريقة مثلى لتدريس البلاغة على الإطلاق، فالمعلم هو سيد الموقف فى كل الأحوال يختار الطريقة الملائمة لطلابه حسب ما يقتضى الموقف التدريسى، ولكن هناك من المعلمين من يختارون الطريقة الاستقرائية فى تدريسهم للبلاغة، شأنها فى ذلك شأن النحو أو الإملاء حيث يقوم المعلم بعرض الأمثلة، ثم يناقش، وبعد ذلك يستقرىء القاعدة من أفواه الطلاب. ومنهم من يستخدم الطريقة القياسية، على النقيض من ذلك حيث يقوم المعلم بعرض القاعدة أولاً، ثم يقاس عليها أمثلة تخضع للقاعدة. ومنهم من يجمع بين الطريقتين، وللمعلم حق التصرف فى ذلك حسب ما تقتضيه طبيعة كل درس.

ولكن اقترح بعض الخبراء فى المناهج وطرق التدريس مجموعة من الخطوات تمكن المعلم من الاستئناس بها وهى كالتالى:

1- التمهيد

فى هذه المرحلة أن يمهد المعلم لموضوع الدرس، وذلك بإثارة الطلاب وتشويقهم من خلال مناقشة هادفة أو تشجيعهم على عرض بعض الصور البلاغية العامية ذات العلاقة بالدرس الجديد. ويرى “سمك” أن الخطوة الأولى لتدريس البلاغة أن يعد المعلم قبل الحصة النصوص الأدبية التى سيتخذها محوراً لدرسه، ويأتى المدرس بالنص الأدبى أو القطعة الأدبية، مكتوبة فى بطاقات توزع على التلاميذ أوتكتب على سبورة إضافية بخط جميل، ثم تقرأ النصوص وتشرح شرحاً وافياً، يتناول تفسير المفردات الصعبة وتوضيح العبارات الغريبة

 2- العرض

وفى هذه المرحلة يعرض المعلم النص الأدبى أو القطعة الأدبية أو الأمثلة والشواهد البلاغية التى تبدو فيها الألوان البلاغية الواضحة، وتقرأ من المدرس قراءة متقمصة بها شخصية الكاتب فى هدوئه، أو تساؤله أو تعجبه أو بأسه أو غضبه، ويتبعه الطلاب المجيدون للقراءة. ثم معالجة الأمثلة أو النص الأدبى معالجة أدبية تهيىء الأذهان، وتستثير الوجدان وتطرح جوانب التذوق فى النص بحيث يشترك المعلم فى تصعيد هذه العملية.  ويرى “الهاشمى” أن الطالب إذا فهم أفكار الدرس البلاغى ومعانيه جيدا استطاع أن يتذوق الأسلوب البلاغى حيث الفهم وسيلة للتذوق.

 3- الربط والموازنة

وفى هذه المرحلة يتم توجيه الأسئلة للطلاب التى تقودهم إلى إدراك وجه الجدة فى اللون البلاغى الجديد، مستعينا بالربط بينها وبين ما مهد به من نظائرها فى اللغة العادية، متبعا طريقة الموازنة بين عبارة النص، وعبارة أخرى تؤدى المعنى .

وكذلك يتم فى هذه المرحلة الكشف عن نواحى القوة والجمال فى اللون البلاغى وأثر ذلك فى نفس القارىء أوالسامع، ويستمر فى مناقشة الطلاب حتى يطمئن إلى أنهم قد لمسوا بأنفسهم روعة العبارة وتذوق جمالها.

 4- استنباط القاعدة

وفى هذه المرحلة ينبغى على المعلم عدم التسرع فى استنباط القاعدة البلاغية والاعتماد على الطلاب فى هذا الشأن، ويتم ذلك بعد مناقشة العديد من الأمثلة وبعد اطمئنان المعلم لفهم الطلاب الظاهرة البلاغية واستيعابها، يتم استنباط القاعدة. وهذه المرحلة تعتمد على ما سبقها من مراحل فإذا كانت المراحل السابقة مفهومة ومدركة لدى الطلاب، سهل عليهم استخراج واستنباط القاعدة البلاغية.

 5- التطبيق

لكى تثبت القاعدة البلاغية فى أذهان الطلاب لابد أن يعد المعلم تدريبات كثيرة فيها عبارات بلاغية تضم صوراً متنوعة، تهيىء الطلاب لاستنباط ما فيها من أوجه البلاغة، فىضوء ما درسوه وفهموه فالتمرينات والتدريبات البلاغية الكثيرة تساعد الطلاب على تذكر ما درس لهم من أبواب البلاغة. ومع تكرارها تصبح معرفتهم بها أمراً قائما على تذوق ما فى النصوص الأدبية من جمال وكمال التعبير.

 

 

خاتمة

خلُصت هذه الدراسة إلى أنّ تيسير البلاغة قضيةٌ قد عرض لها البلاغيون القدماء في كتاباتهم ودراساتهم، وذلك لأسباب يتعلّق بعضها بالتعقيد والغموض اللذين لحقا ببعض مسائلها ومصطلحاتها، وقد بدأ الاتجاه نحو التيسير بعد ظهور بلاغة السّكاكي الصعبة في طرائقها – التي كانت تلخيصًا وامتدادًا لبلاغة عبد القاهر – ومن ثمّ انتشارها في الآفاق، وعناية العلماء بها تهذيبًا وتيسيرًا وتلخيصًا.

وقد عُني قدامى البلاغيين بقضية التيسير في مصنّفاتهم، وتعرّضوا لها كلٌّ بمنهجه الذي ارتضاه لنفسه، ولكنّه التيسير الذي يناسبُ عصرهم ويلبّي حاجات الناس في ذلك العصر، وبالأسلوب الذي رأوه مناسبًا لأذواقهم، وهم سواء وُفقوا في ذلك أم لا؛ فإنّهم كانوا يكتبون استجابة لما يتطلّبه محيطهم الاجتماعي والثقافي والمعرفي، وقد تجلّت وسائل التيسير عند قدامى البلاغيين أكثر ما تجلّت في التلخيصات والشروح، وأمّا مظاهر التيسير فقد تجلّت في عناصر مختلفة يتعلّق بعضها بالمنهج، وبعضها بالموضوعات، وبعضها بالمصطلحات، وبعضها الآخر بالشواهد والنصوص.

وبذل علماء البلاغة الأقدمون جهودًا كبيرةً في صياغة القواعد والنظريات التي تشكلّ بها علم البلاغة وتطوّر على مدى الأجيال. واشتهر من المتأخرين الذين سعوا إلى التيسير: القزويني الذي برع في ترتيب المسائل وعرضها بأسلوب واضح، وابن الأثير الذي اهتم بالنصوص الأدبية وتحليلها اعتمادًا على الذوق الفنّي، والعلوي الذي استند في تيسيره للبلاغة على ثلاثة عناصر هي: تنظيم المادة البلاغية، وتحديد المصطلحات البلاغية بأسلوب جديد، وإيراد الشواهد والنصوص المتنوّعة وتحليلها.

 

Endnote:

[1] مباحث علم البلاغة: أولاً: علم المعانى هو علم يعرف به أحوال اللفظ التى يطابق مقتضى الحال. ثانياً: علم البيان هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطريقة مختلفة فى وضوح الدلالة عليه.ثالثاً: علم البديع هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة

[2] محمد علي سلطانى، مع البلاغة العربية في تاريخها (دمشق : دار المأمون للتراث، 1979)، 201؛ إبراهيم محمد عطا، طرق تدريس اللغة العربية والتربية الدينية (القاهرة : النهضة المصرية ،1986)، 29.

[3] غانم سعادة الحشاش، تقويم منهج البلاغة للمرحلة الثانوية بمحافظات غزة من وجهة نظر المعلمين (رسالة ماجستير غبر منشورة، الجامعة الإسلامية : غزة، 2001)، 56.

[4] مصطفى الجوينى، البلاغة العربية تأصيل وتجديد (القاهرة : منشأة المعارف، 1985)، 4-5.

[5] محمود رشدى خاطر وآخرون، طرق تدريس اللغة العربية والتربية الدينية في ضوء الاتجاهات التربوية الحديثة (القاهرة :دار المعرفة، 1981)، 182.

[6] محمد عبد القادر أحمد، طرق تعليم اللغة العربية (القاهرة : مكتبة النهضة المصرية، 1979)، 290.

[7] أحمد المقوسى، أساليب تدريس اللغة العربية والتربية الاسلامية (غزة : مطبعة مقداد،  1995)، 273.

[8] عبد الفتاح الجعلى، فصول في تدريس الأدب والبلاغة والنقد (مكة المكرمة : مكتبة الطالب الجامعي، 1986)، 71.

[9] محمد صالح سمك، فن التدريس للتربية اللغوية (القاهرة : الانجلو مصرية، 1979)، 803.

[10] عبد العليم إبراهيم، الموجه الفنى لمدرس اللغة العربية (مصر:دار المعارف، 1981)، 321.

[11] بسام القواسمى، أساليب تدريس البلاغة (جامعة القدس : مؤسسة دار الطفل العربى، 1985)، 141.

[12] غانم سعادة الحشاش، تقويم منهج البلاغة للمرحلة الثانوية …، 110.

[13] حسن شحاتة، تعليم اللغة العربية بين النظرية والتطبيق (القاهرة : الدار المصرية اللبنانية، 1993)، 191.

[14] عبد الله الأمين النعمى, تقويم تدريس الأدب بمرحلة التعليم الثانوي العام بالجمهورية العربية الليبية (القاهرة : جامعة الأزهر، 1978)، 49.

[15] فيصل طحيمر العلى، المرشد الفنى لتدريس اللغة العربية، 1998)، 247.

[16] غانم سعادة الحشاش، تقويم منهج البلاغة للمرحلة الثانوية …، 120.

[17] غانم سعادة الحشاش، تقويم منهج البلاغة للمرحلة الثانوية …، 170-160.

[18] غانم سعادة الحشاش… 174.

 

 

المصادر والمراجع

 إبراهيم، أحمد سيد. (1985).” برنامج مقترح لتنمية التذوق الأدبى فى مرحلة التعليم الأساسى .” رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة أسيوط.

إبراهيم، عبد العليم. (1980). الموجه الفنى لمدرس اللغة العربية . مصر:دار المعارف.

ابن الأثير، ضياء الدين. (د.ت). المثل السائر في أدب الكاتب والشعر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانة. القاهرة: دار نهضة.

ابن الزملكاني، عبد الواحد بن عبد الكريم. (1987) التبيان في علم البيان المطّلع على إعجاز القرآن. تحقيق أبو القاسم عبد العظيم. ط1. الهند: المطبعة السلفية بنارس.

أحمد، محمد عبد القادر. (1979). طرق تعليم اللغة العربية . ط 6، القاهرة : مكتبة النهضة المصرية.

الجارم، علي وأمين، مصطفى. (1984). البلاغة الواضحة البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية . مصر : دار المعارف .

الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر (د.ت). البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون. بيروت: دار الفكر العربي.

الجرجاني، عبد القاهر. (1991). أسرار البلاغة. تحقيق محمود شاكر ط1. جدّة: مطبعة المدني

الجعلى، عبد الفتاح. (1986). فصول في تدريس الأدب والبلاغة والنقد . ط 1، مكة المكرمة : مكتبة الطالب الجامعي .

الجوينى، مصطفى. (1985). البلاغة العربية تأصيل وتجديد . القاهرة : منشأة المعارف.

الحشاش، غانم سعادة. (2001). تقويم منهج البلاغة للمرحلة الثانوية بمحافظات غزة من وجهة نظر المعلمين .” رسالة ماجستير غبر منشورة، الجامعة الإسلامية : غزة .

خاطر، محمود رشدى وآخرون. (1981). طرق تدريس اللغة العربية والتربية الدينية. في ضوء الاتجاهات التربوية الحديثة . القاهرة :دار المعرفة .

خاطر، تهاني. (1999). مشكلات المعلم المبتدئ في المدارس الحكومية في محافظات غزة ومقترحات حلولها .” رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الإسلامية : كلية التربية.

الرازي، فخر الدين. (1985). نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز. تحقيق بكري شيخ أمين، ط1. بيروت :دار العلم للملايين.

الرماني، علي بن عيسى. (1968م)، النكت في إعجاز القرآن، (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن)، تحقيق محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلاّم. القاهرة: دار المعارف

سمك، محمد صالح. (1979). فن التدريس للتربية اللغوية . القاهرة : الانجلو مصرية .

شحاتة، حسن. (1993). تعليم اللغة العربية بين النظرية والتطبيق . القاهرة : الدار المصرية اللبنانية.

صوفية، محمد مصطفى. (1984). المباحث البيانية بين ابن الأثير والعلوي. ط1. طرابلس: المنشأة العامة للنشر والتوزيع.

ضيف، شوقي. (د.ت). البلاغة تطوّر وتاريخ. القاهرة: دار المعارف.

طه، فوزي عبد القادر. (1988). تقويم محتوى منهج البلاغة للمرحلة الثانوية الأزهرية .” رسالة ماجستير غير منشورة، القاهرة : جامعة القاهرة.

عزعزي، أحمد عبده. (1991). تقويم منهج البلاغة في المدرسة الثانوية في اليمن .” رسالة ماجستير غير منشورة، الخرطوم : معهد الخرطوم الدولي للغة العربية.

العسكري، الحسن بن عبد الله بن سعيد (1952). كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ط1 القاهرة.

عطا، إبراهيم محمد. (1986). طرق تدريس اللغة العربية والتربية الدينية . القاهرة : النهضة المصرية.

العلى، فيصل طحيمر. (1995). البلاغة الميسرة فى المعانى والبيان والبديع . عمان : دار الثقافة.

العلى، فيصل طحيمر. (1998). المرشد الفنى لتدريس اللغة العربية . عمان : دار الثقافة.

العلوي، يحيى بن حمزة (1990). الرسالة الوازعة للمعتدين عن سبّ صحابة سيّد المرسلين، ط1. صنعاء: مكتبة التراث.

القزويني، الخطيب. (1975). الايضاح في علوم البلاغة . تحقيق : محمد. عبد المنعم خفاجي، ط 4، بيروت : دار الكتاب اللبناني.

القواسمى، بسام. (1987). أساليب تدريس البلاغة .” حاضر اللغة العربية وأساليب تدربسها فى الجامعات الفلسطينية، بحوث ومناقشات الندوة الأولى التى نظمها مركز الأبحاث الإسلامية، كلية التربية : جامعة القدس : مؤسسة دار الطفل العربى.

المقوسى، أحمد. (1995). أساليب تدريس اللغة العربية والتربية الاسلامية . غزة : مطبعة مقداد.

النعمي، عبد الله الأمين. (1978). تقويم تدريس الأدب بمرحلة التعليم الثانوي العام بالجمهورية العربية الليبية .” رسالة دكتوراه غير منشورة، القاهرة : جامعة الأزهر.

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s